المدونة

ذاكرة مكة المكرمة.. المباني الأثرية تروي سيرة المكان والإنسان

لا تُختزل مكة المكرمة في عمرانها الحديث أو طرقها المتجددة، بل تُقرأ في تفاصيلها العتيقة التي ما زالت تنبض بالحياة، حيث تتشابك الأزقة القديمة والمباني الأثرية لتنسج ذاكرة مكان ظل عبر القرون قبلةً للقلوب قبل الأقدام.
وتجسد مكة المكرمة نموذجًا فريدًا لمدينة يتداخل فيها الديني بالتاريخي، والروحي بالعمراني؛ فمبانيها الأثرية المنتشرة في أحيائها القديمة ليست مجرد شواهد حجرية، بل وثائق حيّة تروي تحولات المجتمع المكي، وأنماط العيش، وخصوصية العمارة التي تأقلمت مع طبيعة المكان وقدسيته.
وتبرز العمارة المكية التقليدية بسماتها المميزة، مثل الاعتماد على المواد المحلية، والاهتمام بالتهوية الطبيعية، والتصاميم التي تعكس خصوصية الحياة الاجتماعية، حيث ما زالت هذه المباني رغم تعاقب الأزمنة محتفظة بروحها الأصيلة، شاهدةً على أجيال صنعت تاريخ المدينة وأسهمت في تشكيل هويتها.
وفي ظل النهضة العمرانية المتسارعة التي تشهدها مكة المكرمة، تتأكد أهمية الحفاظ على هذا الإرث التاريخي، بالتزامن مع حملة “ذاكرة مكة” التي أطلقتها الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة مؤخرًا، بوصف هذا الإرث عنصرًا أصيلًا من هوية المدينة.
وتسهم جهود التوثيق والترميم وإعادة إحياء المواقع التراثية في تحقيق توازن واعٍ بين متطلبات الحداثة وصون الذاكرة التاريخية، بما يضمن نقلها للأجيال القادمة.
ويؤكد مختصون في التراث العمراني أن حماية المباني والأسواق القديمة لا تعني تجميدها، بل دمجها بوعي في المشهد الحضري الحديث، لتظل حاضرة وفاعلة، وتواصل أداء دورها الثقافي والإنساني.
وتبقى مكة المكرمة مدينة تحكي قصصها لمن يمنحها لحظة تأمل؛ فكل حجر، وكل سوق، وكل ممر قديم يحمل أثر زمنٍ مضى، ويمنح الزائر والمقيم فرصة لاكتشاف المدينة من منظور أعمق، إذ لا يُقاس المكان باتساعه، بل بما يحمله من ذاكرة ومعنى.
وفي مبانيها الأثرية تستمر “ذاكرة مكة المكرمة” حيّة، تروي تاريخ المدينة وتؤكد أن مكة مهما تغيّرت ملامحها ستظل محتفظة بجوهرها الأصيل.
يُذكر أن حملة “ذاكرة مكة” تهدف إلى إعادة تقديم المواقع التاريخية للزوار والسكان من منظور يعيد قراءة المكان بوصفه شاهدًا على أحداث ومحطات مفصلية في التاريخ الديني والإنساني، من خلال محتوى تعريفي مبسّط يبرز قيمة كل موقع ويضعه في سياقه التاريخي، بما يعزز حضوره ضمن تجربة الزائر ويحوّله إلى محطة معرفية حيّة.

المصدر: واس (1 يناير 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

جزيرة مرمر.. محمية طبيعية

2026-01-21 اخبار

تبرز جزيرة مرمر -التي تبعد نحو 25 ميلًا بحريًا عن الساحل- كإحدى جزر البحر الأحمر الفريدة بما تحتضنه من تنوع بيئي وبحري، لتشكّل شاهدًا حيًا على ثراء النظم البيئية البحرية بمحافظة الليث خاصة، والسواحل الجنوبية لمنطقة مكة المكرمة عامة.
وتُعد الجزيرة أصلًا بيئيًا عالٍ القيمة وواجهة طبيعية تعكس كفاءة رأس المال البيئي البكر، حيث تتكامل عناصر الغطاء النباتي والتنوع الأحيائي ضمن منظومة طبيعية متوازنة، جعلت منها نقطة ارتكاز بيئية على الساحل الجنوبي لمحافظة الليث.
وتبدو الجزيرة من الأعلى ككتلة خضراء تطفو على زرقة البحر، في مشهد يجسّد مفهوم الاستدامة الفطرية؛ إذ يسهم غطاؤها النباتي الساحلي، بما يضمّه من شجيرات ملحية ونطاقات مانجروف، في تعزيز استقرار السواحل، ورفع كفاءة النظم البيئية في امتصاص الانبعاثات الكربونية، وتحسين جودة المياه، ما يحوّل الجزيرة إلى ما يشبه "رئة خضراء" صامتة تدير توازنها البيئي بكفاءة عالية، حيث تمتد الجزيرة بشكل طولي، وتبلغ مساحتها نحو كيلومتر مربع واحد، وتحيط بها مياه عميقة جدًا يتجاوز عمقها 350 مترًا.
ويمتد الأثر البيئي لجزيرة مرمر إلى عمق البحر، حيث تحتضن مياهها الضحلة شعابًا مرجانية نابضة بالحياة تمثّل بنية تحتية طبيعية للتنوع البحري، وموطنًا لأسماك الشعاب واللافقاريات والكائنات الدقيقة التي تشكّل العمود الفقري للسلسلة الغذائية البحرية، كما تمثّل محطة بيئية آمنة لعبور واستقرار السلاحف البحرية، وبيئة ملائمة لتعشيش الطيور الساحلية والمهاجرة، ما يعزز مؤشرات التنوع الحيوي في هذه الرقعة من البحر الأحمر.
ولا تقتصر أهمية الجزيرة على بعدها الجمالي أو البيئي فحسب، بل تتجلى قيمتها في كونها نموذجًا تطبيقيًا للربط بين حماية الطبيعة وتعظيم العائد البيئي طويل المدى، من خلال الحفاظ على الموائل الطبيعية، وتعزيز الغطاء النباتي، وضمان استدامة الموارد البحرية، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى رفع كفاءة الأصول الطبيعية وتحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة.
وتفتح جزيرة مرمر آفاقًا واعدة لتكون منصة للسياحة البيئية المسؤولة، ومختبرًا طبيعيًا للبحث العلمي والدراسات البحرية، ضمن نماذج تشغيلية تحافظ على خصوصيتها البيئية، وتحوّلها إلى قيمة مضافة في الاقتصاد البيئي دون الإخلال بتوازنها الطبيعي.

المصدر: صحيفة الرياض (21 يناير 2026م)

0 0

حدائق مكة.. تعزيز الروابط الاجتماعية

2026-01-15 اخبار

تستقبل حدائق ومتنزهات مكة المكرمة أعدادًا متزايدة من الزوار من الأهالي والمعتمرين خلال إجازة منتصف العام، لتشكل متنفسًا حضريًا يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز أنماط الحياة الصحية داخل المدينة.

وتنتشر الحدائق العامة والمتنزهات في مختلف أحياء العاصمة المقدسة، وجُهزت بمرافق متكاملة تلبي احتياجات جميع الفئات العمرية، شملت مسطحات خضراء، وممرات للمشاة، وألعاب أطفال آمنة، ومناطق جلوس، إضافة إلى مواقع مهيأة لذوي الإعاقة، في إطار حرص أمانة العاصمة المقدسة على الشمولية وسهولة الوصول.

ورفعت الجهات المختصة مستوى السلامة داخل الحدائق من خلال أعمال الصيانة الدورية، وتحسين الإضاءة، وتوفير اللوحات الإرشادية، والاهتمام بالنظافة العامة وزيادة حاويات النفايات، إلى جانب تعزيز الرقابة الميدانية للحفاظ على المرافق العامة وضمان تجربة آمنة ومريحة للزوار.

وتُعد حدائق مكة المكرمة مواقع مثالية للعائلات ولممارسة الأنشطة الرياضية الخفيفة وقضاء أوقات الترفيه، خاصة خلال الإجازات ونهايات الأسبوع، كما تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وتوفير بيئة صحية تساعد على الاستجمام والراحة.

وأوضحت أمانة العاصمة المقدسة أن مكة المكرمة تضم (294) حديقة بإجمالي مساحات تتجاوز (2.039.993) مترًا مربعًا للحدائق والساحات والملاعب، تشمل (83) ساحة، و(184) ملعبًا، و(11) ممرًا للمشاة، و(11) نافورة جمالية، و(5) أندية، إضافة إلى مسطحات خضراء وتشجير طرق بطول إجمالي يبلغ (1.711.910) أمتار طولية، كما تضم هذه المواقع أكثر من (174.264) شجرة و(7.069) نخلة موزعة على مختلف الأحياء والشوارع والمحاور الرئيسة، مجهزة وفق أحدث المعايير الفنية والهندسية، بما يشمل جلسات مظللة، ومرافق خدمية متكاملة، ومناطق ألعاب، وملاعب رياضية، ومسارات للمشي، وإنارة حديثة.

وأكدت الأمانة استمرار أعمال التطوير والتحسين في الحدائق القائمة، إلى جانب دراسة إنشاء مشاريع جديدة للمساحات الخضراء، بما يلبي تطلعات المجتمع، ويعزز مكانة مكة المكرمة بصفتها مدينةً متكاملة الخدمات تراعي الجوانب البيئية والإنسانية إلى جانب مكانتها الدينية.

المصدر: صحيفة الرياض (13 يناير 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق