المدونة

الأسواق التاريخية في مكة.. ذاكرة حضرية وهوية متجددة

تُجسّد الأسواق التاريخية في مكة المكرمة ذاكرةً حضريةً نابضة بالحياة، تشكّلت عبر قرون طويلة من التفاعل بين القوافل والحجاج والتجار، وأسهمت في ترسيخ مكانة المدينة المقدسة مركزًا دينيًا وتجاريًا عالميًا.
ولم تكن تلك الأسواق مجرد فضاءات للبيع والشراء، بل شكّلت منصات اجتماعية وثقافية صاغت أنماط العيش والاقتصاد المحلي، ولا تزال تؤدي دورًا متجددًا ضمن منظومة التنمية، بما يتواءم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز جودة الحياة.
وعرفت مكة المكرمة عبر تاريخها العريق أسواقًا ارتبطت بمواقعها الجغرافية وقربها من المسجد الحرام ومسارات القوافل، إذ يُعد سوق الليل من أقدمها، محافظًا على حضوره التجاري حتى اليوم، واشتهر بتنوّع معروضاته وخدمته للزوار القادمين إلى المنطقة المركزية، كما برز سوق «سويقة» بطابعه الشعبي، واستمر مقصدًا للباحثين عن السلع التقليدية والمنتجات المحلية.
وامتد النشاط التجاري التاريخي إلى أسواق خدمت الجهات الجنوبية والغربية من المدينة، من بينها سوق المسفلة الذي ارتبط بخدمة الحجاج القادمين من الجنوب، وسوق أجياد الذي شهد حركة موسمية نشطة مرتبطة بالحج والعمرة، قبل أن تتغير ملامحه ضمن مشاريع التطوير الحديثة.
وعُرفت أسواق أخرى في الأحياء الشمالية والشرقية، مثل سوق «المعلاة وسوق الحجون»، إلى جانب أسواق محلية منها سوق «جرول وسوق الزاهر»، إضافة إلى سوق «الشبيكة» القريب من المسجد الحرام، وفي حين اندثرت بعض هذه الأسواق ميدانيًا بفعل التوسع العمراني، وبقيت موثّقة في المصادر التاريخية، مثل سوق «المدعى» الذي لم يعد له أثر عمراني واضح.
ويؤكد باحثون في تاريخ مكة المكرمة أن الأسواق التاريخية شكّلت ملتقيات إنسانية جمعت ثقافات متعددة، وأسهمت في تبادل السلع والعادات، ما أضفى على مكة طابعًا تجاريًا عالميًا مبكرًا، ودورًا محوريًا في دعم الأسر بتوفير فرص الكسب، ونقل الحِرف والمعارف بين الأجيال.
وتشير التقديرات إلى أن ما بين 30 و35% من زوار مكة المكرمة يحرصون على زيارة الأسواق التاريخية والشعبية، فيما يتراوح متوسط الإنفاق بين 250 و400 ريال خلال الزيارة الواحدة، كما تضم هذه الأسواق مئات المحال التجارية، وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة والحرفيين، خاصة في مجالات المشغولات اليدوية والعطور والمنتجات الغذائية التقليدية.
وتحظى الأسواق التاريخية القائمة اليوم باهتمام متزايد ضمن برامج التطوير الحضري، من خلال تحسين المشهد العمراني، وتنظيم الأنشطة التجارية، ورفع كفاءة البنية التحتية، مع الحفاظ على الطابع التراثي والهوية المعمارية، فيما تتكامل هذه الجهود مع مشاريع تطوير المنطقة المركزية وتحسين بيئة المشاة، بما ينعكس إيجابًا على تجربة قاصدي المسجد الحرام وسكان مكة.
ويرى مختصون في الشأنين الاقتصادي والتراثي أن إعادة إحياء الأسواق التاريخية بأسلوب عصري يحافظ على روح المكان تمثل نموذجًا ناجحًا للتنمية المستدامة، يجمع بين حفظ الذاكرة المكانية، وتحفيز النشاط التجاري، وتعزيز السياحة الثقافية، وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية متوازنة.
وتؤكد هذه الجهود أن أسواق مكة التاريخية ليست إرثًا من الماضي فحسب، بل عنصر فاعل في حاضر مكة المكرمة ومستقبلها، من خلال اقتصاد مزدهر، وهوية حضرية متجذرة، تعكس عمق التاريخ ووهج الحاضر.

المصدر: صحيفة الجزيرة (5 يناير 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

جزيرة مرمر.. محمية طبيعية

2026-01-21 اخبار

تبرز جزيرة مرمر -التي تبعد نحو 25 ميلًا بحريًا عن الساحل- كإحدى جزر البحر الأحمر الفريدة بما تحتضنه من تنوع بيئي وبحري، لتشكّل شاهدًا حيًا على ثراء النظم البيئية البحرية بمحافظة الليث خاصة، والسواحل الجنوبية لمنطقة مكة المكرمة عامة.
وتُعد الجزيرة أصلًا بيئيًا عالٍ القيمة وواجهة طبيعية تعكس كفاءة رأس المال البيئي البكر، حيث تتكامل عناصر الغطاء النباتي والتنوع الأحيائي ضمن منظومة طبيعية متوازنة، جعلت منها نقطة ارتكاز بيئية على الساحل الجنوبي لمحافظة الليث.
وتبدو الجزيرة من الأعلى ككتلة خضراء تطفو على زرقة البحر، في مشهد يجسّد مفهوم الاستدامة الفطرية؛ إذ يسهم غطاؤها النباتي الساحلي، بما يضمّه من شجيرات ملحية ونطاقات مانجروف، في تعزيز استقرار السواحل، ورفع كفاءة النظم البيئية في امتصاص الانبعاثات الكربونية، وتحسين جودة المياه، ما يحوّل الجزيرة إلى ما يشبه "رئة خضراء" صامتة تدير توازنها البيئي بكفاءة عالية، حيث تمتد الجزيرة بشكل طولي، وتبلغ مساحتها نحو كيلومتر مربع واحد، وتحيط بها مياه عميقة جدًا يتجاوز عمقها 350 مترًا.
ويمتد الأثر البيئي لجزيرة مرمر إلى عمق البحر، حيث تحتضن مياهها الضحلة شعابًا مرجانية نابضة بالحياة تمثّل بنية تحتية طبيعية للتنوع البحري، وموطنًا لأسماك الشعاب واللافقاريات والكائنات الدقيقة التي تشكّل العمود الفقري للسلسلة الغذائية البحرية، كما تمثّل محطة بيئية آمنة لعبور واستقرار السلاحف البحرية، وبيئة ملائمة لتعشيش الطيور الساحلية والمهاجرة، ما يعزز مؤشرات التنوع الحيوي في هذه الرقعة من البحر الأحمر.
ولا تقتصر أهمية الجزيرة على بعدها الجمالي أو البيئي فحسب، بل تتجلى قيمتها في كونها نموذجًا تطبيقيًا للربط بين حماية الطبيعة وتعظيم العائد البيئي طويل المدى، من خلال الحفاظ على الموائل الطبيعية، وتعزيز الغطاء النباتي، وضمان استدامة الموارد البحرية، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى رفع كفاءة الأصول الطبيعية وتحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة.
وتفتح جزيرة مرمر آفاقًا واعدة لتكون منصة للسياحة البيئية المسؤولة، ومختبرًا طبيعيًا للبحث العلمي والدراسات البحرية، ضمن نماذج تشغيلية تحافظ على خصوصيتها البيئية، وتحوّلها إلى قيمة مضافة في الاقتصاد البيئي دون الإخلال بتوازنها الطبيعي.

المصدر: صحيفة الرياض (21 يناير 2026م)

0 0

حدائق مكة.. تعزيز الروابط الاجتماعية

2026-01-15 اخبار

تستقبل حدائق ومتنزهات مكة المكرمة أعدادًا متزايدة من الزوار من الأهالي والمعتمرين خلال إجازة منتصف العام، لتشكل متنفسًا حضريًا يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز أنماط الحياة الصحية داخل المدينة.

وتنتشر الحدائق العامة والمتنزهات في مختلف أحياء العاصمة المقدسة، وجُهزت بمرافق متكاملة تلبي احتياجات جميع الفئات العمرية، شملت مسطحات خضراء، وممرات للمشاة، وألعاب أطفال آمنة، ومناطق جلوس، إضافة إلى مواقع مهيأة لذوي الإعاقة، في إطار حرص أمانة العاصمة المقدسة على الشمولية وسهولة الوصول.

ورفعت الجهات المختصة مستوى السلامة داخل الحدائق من خلال أعمال الصيانة الدورية، وتحسين الإضاءة، وتوفير اللوحات الإرشادية، والاهتمام بالنظافة العامة وزيادة حاويات النفايات، إلى جانب تعزيز الرقابة الميدانية للحفاظ على المرافق العامة وضمان تجربة آمنة ومريحة للزوار.

وتُعد حدائق مكة المكرمة مواقع مثالية للعائلات ولممارسة الأنشطة الرياضية الخفيفة وقضاء أوقات الترفيه، خاصة خلال الإجازات ونهايات الأسبوع، كما تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وتوفير بيئة صحية تساعد على الاستجمام والراحة.

وأوضحت أمانة العاصمة المقدسة أن مكة المكرمة تضم (294) حديقة بإجمالي مساحات تتجاوز (2.039.993) مترًا مربعًا للحدائق والساحات والملاعب، تشمل (83) ساحة، و(184) ملعبًا، و(11) ممرًا للمشاة، و(11) نافورة جمالية، و(5) أندية، إضافة إلى مسطحات خضراء وتشجير طرق بطول إجمالي يبلغ (1.711.910) أمتار طولية، كما تضم هذه المواقع أكثر من (174.264) شجرة و(7.069) نخلة موزعة على مختلف الأحياء والشوارع والمحاور الرئيسة، مجهزة وفق أحدث المعايير الفنية والهندسية، بما يشمل جلسات مظللة، ومرافق خدمية متكاملة، ومناطق ألعاب، وملاعب رياضية، ومسارات للمشي، وإنارة حديثة.

وأكدت الأمانة استمرار أعمال التطوير والتحسين في الحدائق القائمة، إلى جانب دراسة إنشاء مشاريع جديدة للمساحات الخضراء، بما يلبي تطلعات المجتمع، ويعزز مكانة مكة المكرمة بصفتها مدينةً متكاملة الخدمات تراعي الجوانب البيئية والإنسانية إلى جانب مكانتها الدينية.

المصدر: صحيفة الرياض (13 يناير 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق