المدونة

الحَجُون المكية.. عمق تاريخي يجاور الحرم ويختزن ذاكرة المكان

تُعدّ منطقة الحَجُون من أقدم النطاقات العمرانية في مكة المكرمة، وأكثرها ارتباطًا بتاريخها الديني والاجتماعي، إذ شكّلت على مدى قرون امتدادًا عمرانيًا ملاصقًا للمسجد الحرام، واحتضنت معالم تاريخية بارزة، في مقدمتها مقبرة المعلاة، إلى جانب ارتباطها المباشر بسيرة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأحداث مفصلية من صدر الإسلام.
وتقع الحَجُون في الجهة الشمالية الشرقية من المسجد الحرام عند سفوح جبل الحَجُون، وتُعد من المناطق التي نشأت مبكرًا مع توسّع النطاق السكاني للمدينة، مستفيدة من قربها من طرق القوافل القديمة ومسارات الحجاج، الأمر الذي منحها موقعًا إستراتيجيًا في النسيج العمراني والتجاري لمكة المكرمة.
10 7 وضمّت الحَجُون عبر تاريخها عددًا من الحارات والأحياء السكنية التي شكّلت ملامح الحياة المكية التقليدية، أبرزها حارة الحَجُون، وشِعب الحَجُون، وحارة المعلاة المحيطة بالمقبرة، إلى جانب حارة الباب وحارة آل الشيخ، وهي أحياء عُرفت بسكن أسر مكية عريقة، وبمساكنها المتقاربة وأزقتها الضيقة التي راعت طبيعة الجبل وتضاريسه.
كما عُرفت الحَجُون قديمًا باحتضانها نشاط المدابغ، التي شكّلت أحد الأنشطة الحرفية والاقتصادية المهمة في مكة المكرمة، حيث توطّنت في أطراف المنطقة وبجوار الشعاب نظرًا لطبيعة أعمال دباغة الجلود وحاجتها للمياه والتهوية، وبُعدها النسبي عن قلب الحرم، فيما أسهمت هذه المدابغ في تزويد السوق المكي بمنتجات جلدية متنوعة، شملت الأحذية التقليدية والقِرَب وبعض مستلزمات السفر والحج، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع تطور التنظيم العمراني ونقل الأنشطة الحرفية خارج النطاق السكني.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الحَجُون كان مأهولًا قبل الإسلام، واستمر دوره بعد البعثة النبوية، حيث سكنته أسر مكية معروفة، ومرّ به عدد من الصحابة والتابعين، وارتبط بعدد من الوقائع التي شكّلت ملامح المرحلة المكية من الدعوة الإسلامية، كما مثّل موقعه المشرف إحدى البوابات الطبيعية المؤدية إلى مكة.
وعمرانيًا، تميّزت مباني الحَجُون القديمة باستخدام الحجر المحلي والجص، واحتوائها على الرواشين الخشبية التي أسهمت في التهوية الطبيعية وتحقيق الخصوصية، بما يعكس الهوية المعمارية المكية المتكيفة مع البيئة والمناخ.
وشهدت المنطقة، شأنها شأن بقية المناطق التاريخية في مكة المكرمة، تحولات عمرانية متسارعة خلال العقود الأخيرة، تزامنًا مع مشاريع تطوير البنية التحتية وتحسين المشهد الحضري، حيث جرى تنظيم الطرق، وتحسين شبكات الخدمات، وإزالة العشوائيات، مع الحفاظ على المواقع ذات القيمة الدينية والتاريخية.
وتشير تقديرات عمرانية إلى أن الكثافة السكانية في نطاق الحَجُون والمناطق المحيطة به كانت من الأعلى تاريخيًا في مكة المكرمة، قبل أن تشهد تراجعًا نسبيًا مع انتقال السكان إلى أحياء حديثة، ضمن إعادة توزيع النطاق السكاني للمدينة.
وتحظى الحَجُون باهتمام ضمن برامج تطوير مكة المكرمة المرتبطة بمستهدفات رؤية المملكة 2030، لا سيما في مجالات تحسين جودة الحياة، وتعزيز الهوية العمرانية، وإبراز المواقع التاريخية القريبة من الحرم المكي ضمن مسارات ثقافية ومعرفية منظمة.
ويرى مختصون أن الحَجُون تمثل نموذجًا مهمًا لكيفية المواءمة بين التطوير الحضري الحديث والحفاظ على الذاكرة التاريخية، بما يضمن استدامة المكان واحترام رمزيته الدينية، لتبقى إحدى المناطق التي تختزل تاريخ مكة المكرمة الاجتماعي والعمراني عبر القرون.

المصدر: صحيفة المدينة (10 يناير 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

متحف السيرة النبوية بمكة.. رحلة إيمانية تثري تجربة زوار بيت الله الحرام

2026-02-19 اخبار

يُشكّل المتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية في مقره بأبراج الساعة بمكة المكرمة وجهةً إثرائية رائدة لزوار بيت الله الحرام من المعتمرين والقادمين من شتى بقاع الأرض، خاصةً في شهر رمضان المبارك، مقدمًا رحلة إيمانية تفاعلية تستعرض تفاصيل السيرة النبوية العطرة عبر أحدث التقنيات الرقمية العالمية.
ويُعد المتحف، الذي يقع تحت إشراف رابطة العالم الإسلامي، صرحًا حضاريًا يُعنى بالتعريف الشامل بالنبي صلى الله عليه وسلم وآدابه الكريمة وأخلاقه العظيمة بأسلوب ابتكاري يجمع بين عبق التاريخ وتكنولوجيا المستقبل، تماشيًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في إثراء التجربة الدينية والثقافية لضيوف الرحمن.
معايشة محطات السيرة النبوية ويخوض الزائر خلال الجولة، التي تمتد لنحو 60 دقيقة، عبر الزمن باستخدام تقنيات "الهولوجرام" والواقع المعزز والعروض ثلاثية الأبعاد.
ويضم المتحف أكثر من (200) عرض مرئي وتفاعلي بـ "6" لغات عالمية، تتيح للزوار معايشة محطات السيرة النبوية من الميلاد إلى الهجرة، وصولًا إلى تفاصيل الحجرة النبوية الشريفة عبر بانوراما متطورة تحاكي الواقع بدقة مذهلة.
وتتضمن أجنحة المتحف نماذج علمية دقيقة لأعظم منبر في الدنيا مع أطالس عصرية تشرح المدينة المنورة ومكة المكرمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى جانب أقسام متخصصة تستعرض جميع جوانب حياة النبي عليه السلام، ومنها وصفه الخَلقي والخُلقي، ونوع طعامه ولباسه والأدوية التي كان يستخدمها، إضافة إلى لمحات عن سير الأنبياء عليهم السلام، مما يجعلها تجربة سياحية دينية ملهمة للكبار والصغار على حد سواء.

المصدر: صحيفة اليوم (19 فبراير 2026م)

0 0

جزيرة مرمر.. محمية طبيعية

2026-01-21 اخبار

تبرز جزيرة مرمر -التي تبعد نحو 25 ميلًا بحريًا عن الساحل- كإحدى جزر البحر الأحمر الفريدة بما تحتضنه من تنوع بيئي وبحري، لتشكّل شاهدًا حيًا على ثراء النظم البيئية البحرية بمحافظة الليث خاصة، والسواحل الجنوبية لمنطقة مكة المكرمة عامة.
وتُعد الجزيرة أصلًا بيئيًا عالٍ القيمة وواجهة طبيعية تعكس كفاءة رأس المال البيئي البكر، حيث تتكامل عناصر الغطاء النباتي والتنوع الأحيائي ضمن منظومة طبيعية متوازنة، جعلت منها نقطة ارتكاز بيئية على الساحل الجنوبي لمحافظة الليث.
وتبدو الجزيرة من الأعلى ككتلة خضراء تطفو على زرقة البحر، في مشهد يجسّد مفهوم الاستدامة الفطرية؛ إذ يسهم غطاؤها النباتي الساحلي، بما يضمّه من شجيرات ملحية ونطاقات مانجروف، في تعزيز استقرار السواحل، ورفع كفاءة النظم البيئية في امتصاص الانبعاثات الكربونية، وتحسين جودة المياه، ما يحوّل الجزيرة إلى ما يشبه "رئة خضراء" صامتة تدير توازنها البيئي بكفاءة عالية، حيث تمتد الجزيرة بشكل طولي، وتبلغ مساحتها نحو كيلومتر مربع واحد، وتحيط بها مياه عميقة جدًا يتجاوز عمقها 350 مترًا.
ويمتد الأثر البيئي لجزيرة مرمر إلى عمق البحر، حيث تحتضن مياهها الضحلة شعابًا مرجانية نابضة بالحياة تمثّل بنية تحتية طبيعية للتنوع البحري، وموطنًا لأسماك الشعاب واللافقاريات والكائنات الدقيقة التي تشكّل العمود الفقري للسلسلة الغذائية البحرية، كما تمثّل محطة بيئية آمنة لعبور واستقرار السلاحف البحرية، وبيئة ملائمة لتعشيش الطيور الساحلية والمهاجرة، ما يعزز مؤشرات التنوع الحيوي في هذه الرقعة من البحر الأحمر.
ولا تقتصر أهمية الجزيرة على بعدها الجمالي أو البيئي فحسب، بل تتجلى قيمتها في كونها نموذجًا تطبيقيًا للربط بين حماية الطبيعة وتعظيم العائد البيئي طويل المدى، من خلال الحفاظ على الموائل الطبيعية، وتعزيز الغطاء النباتي، وضمان استدامة الموارد البحرية، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى رفع كفاءة الأصول الطبيعية وتحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة.
وتفتح جزيرة مرمر آفاقًا واعدة لتكون منصة للسياحة البيئية المسؤولة، ومختبرًا طبيعيًا للبحث العلمي والدراسات البحرية، ضمن نماذج تشغيلية تحافظ على خصوصيتها البيئية، وتحوّلها إلى قيمة مضافة في الاقتصاد البيئي دون الإخلال بتوازنها الطبيعي.

المصدر: صحيفة الرياض (21 يناير 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق